فصل: ومن باب صلة الرحم:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: معالم السنن



.ومن باب صلة الرحم:

قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن ثابت عن أنس قال: «لما نزلت: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} [آل عمران: 92] قال أبو طلحة يا رسول الله أرى ربنا يسألنا من أموالنا فإني أشهدك أني قد جعلت أرضى بأريحا له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعلها في قرابتك فقسمها بين حسان بن ثابت وأُبيّ بن كعب».
قلت: فيه من الفقه أن الحبس إذا وقع أصله مبهما ولم يذكر سبله وقع صحيحا. وفيه دلالة على أن من أحبس عقارا على رجل بعينه فمات المحبس عليه ولم يذكر المحبس مصرفها بعد موته فإن مرجعها يكون إلى أقرب الناس بالواقف.
وذلك أن هذه الأرض التي هي بأريحا لما حبسها أبو طلحة بأن جعلها لله عز وجل ولم يذكر سبلها صرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أقرب الناس به من قبيلته فقياس ذلك فيمن وقفها على رجل فمات الموقوف عليه وبقي الشيء محبس الأصل غير مبين السبل أن يوضع في أقاربه وأن يتوخى بذلك الأقرب فالأقرب ويكون في التقدير كأن الواقف قد شرطه له وهذا يشبه معنى قول الشافعي.
وقال المزني يرجع إلى أقرب الناس به إذا كان فقيرا، وقصة أبي بن كعب تدل على أن الفقير والغني في ذلك سواء. وقال الشافعي كان أبيّ يعد من مياسير الأنصار.
وفيه دلالة على جواز قسم الأرض الموقوفة بين الشركاء وأن للقسمة مدخلًا فيما ليس بمملوك الرقبة. وقد يحتمل أيضًا أن يكون أريد بهذا القسم قسمة ريعها دون رقبتها وقد امتنع عمر بن الخطاب رضي الله عنه من قسمة أحباس النبي صلى الله عليه وسلم بين علي والعباس لما جاءاه يلتمسان ذلك.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن محمد بن عجلان عن المقبري، عَن أبي هريرة قال: «أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصدقة فقال رجل يا رسول الله عندي دينار فقال تصدق به على نفسك قال عندي آخر قال تصدق به على ولدك. قال عندي آخر قال تصدق به على زوجك. قال عندي آخر قال تصدق به على خادمك. قال عندي آخر قال أنت أبصر».
قلت: هذا الترتيب إذا تأملته علمت أنه صلى الله عليه وسلم قدم الأولى فالأولى والأقرب وهو أنه أمره بأن يبدأ بنفسه ثم بولده لأن ولده كبعضه فإذا ضيعه هلك ولم يجد من ينوب عنه في الإنفاق عليه. ثم ثلث بالزوجة وآخرها عن درجة الولد لأنه إذا لم يجد ما ينفق عليها فرق بينهما وكان لها من يمونها من زوج أو ذي رحم تجب نفقتها عليه. ثم ذكر الخادم لأنه يباع عليه إذا عجز عن نفقته فتكون النفقة على من يبتاعه ويملكه. ثم قال له فيما بعد أنت أبصر. أي إن شئت تصدقت وإن شئت أمسكت. وقياس هذا في قول من رأى أن صدقة الفطر تلزم الزوج عن الزوجة ولم يفضل من قوته أكثر من صاع أن يخرجه عن ولده دون الزوجة لأن الولد مقدم الحق على الزوجة ونفقة الأولاد إنما تجب بحق البعضية النسبية ونفقة الزوجة إنما تجب بحق المتعة العوضية وقد يجوز أن ينقطع ما بين الزوجين بالطلاق والنسب لا ينقطع أبدا ومعنى الصدقة في هذا الحديث النفقة.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان حدثنا أبو إسحاق عن وهب بن جابر الخَيْواني عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت».
قوله: «من يقوت» يريد من يلزمه قوته والمعنى كأنه قال للمتصدق لا تتصدق بما لا فضل فيه عن قوت أهلك تطلب به الأجر فينقلب ذلك إثمًا إذا أنت ضيعتهم.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح ويعقوب بن كعب وهذا حديثه قالا: حَدَّثنا ابن وهب أخبرني يونس عن الزهري عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سره أن يبسط الله عليه في رزقه ويُنَسأ في أثره فليصل رحمه».
قوله: «ينسأ في أثره» معناه يؤخر في أجله يقال للرجل نسأ الله في عمرك وأنسأ عمرك والأثر هاهنا آخر العمر قال كعب بن زهير:
والمرء ما عاش ممدود له أمل ** لا ينتهي العين حتى ينتهي الأثر

قال أبو داود: حدثنا مسدد وأبو بكر بن أبي شيبة قالا: حَدَّثنا سفيان عن الزهري، عَن أبي سلمة عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله أنا الرحمن وهي الرحم شققت لها من اسمي من وصلها وصلته ومن قطعها بَتَته».
قلت: في هذا بيان صحة القول بالاشتقاق في الأسماء اللغوية وذلك أن قوما أنكروا الاشتقاق وزعموا أن الأسماء كلها موضوعة وهذا يبين لك فساد قولهم.
وفيه دليل على أن اسم الرحمن عربي مأخوذ من الرحمة وقد زعم بعض المفسرين أنه عبراني. قلت والرحمن بناؤه فعلان وهو بناء نعوت المبالغة كقولهم غضبان وإنما يقال لمن يشتد غضبه ولم يغلب عليه الغضب ضجر وجرد ونحو ذلك حتى إذا امتلأ غضبا قيل غضبان وكقولهم سكران وإنما هو قبل ذلك طَرِب ثم ثمِل فإذا طفِح قيل سكران ولا يجوز أن يسمى بالرحمن أحد غير الله ولذلك لا يثنى ولا يجمع كما ثنوا وجمعوا الرحيم فقيل رحيمان ورحماء وقوله: «بتته» معناه قطعته والبت القطع.

.ومن باب الشُح:

قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحارث، عَن أبي كثير عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والشح فإنما هلك من كان قبلكم بالشح، أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا وأمرهم بالفجور ففجروا».
قلت: الشح أبلغ في المنع من البخل وإنما الشح بمنزلة الجنس والبخل بمنزلة النوع، وأكثر ما يقال البخل إنما هو في إفراد الأمور وخواص الأشياء، والشح عام وهو كالوصف اللازم للإنسان من قبل الطبع والجبلة.
وقال بعضهم البخل أن يضن بمال والشح أن يبخل بماله وبمعروفه، والفجور هاهنا الكذب، وأصل الفجور الميل والانحراف عن الصدق ويقال للكاذب قد فجر أي انحرف عن الصدق.
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة قال حدثتني أسماء بنت أبي بكر قالت: قلت يا رسول الله ما لي شيء إلاّ ما أدخل عليَّ الزبير بيته أفأعطي منه قال اعطي ولا تُوكي فيوكى عليك.
قلت: معناه اعطي من يصيبك منه ولا توكي أي لا تدخري والإيكاء شد رأس الوعاء بالوكاء وهو الرباط الذي يربط به يقول لا تمنعي ما في يدك فتنقطع مادة بركة الرزق عنك.
وفيه وجه آخر وهو أن صاحب البيت إذا أدخل الشيء بيته كان ذلك في العرف مفوضا إلى ربة المنزل فهي تنفق منه بقدر الحاجة في الوقت وربما تدخر منه الشيء لغابر الزمان فكأنه قال إذا كان الشيء مفوضا إليك موكولا إلى تدبيرك فاقتصري على قدر الحاجة في النفقة وتصدقي بالباقي ولا تدخري والله أعلم.

.كتاب اللقطة:

قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا شعبة عن سلمة بن كهيل عن سويد بن غَفَلة قال: «غزوت مع زيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة فوجدت سوطا فقال لي أطرحه فقلت لا ولكن إن وجدت صاحبه وإلا استمتعت به، قال: فحججت فمررت على المدينة فسألت أُبيّ بن كعب فقال وجدت صرة فيها مائة دينار فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عرفها حولا فعرفتها حولا ثم أتيته فقال عرفها حولا فعرفتها حولا ثم أتيته فقال عرفها حولا فعرفتها ثم أتيته فقلت لم أجد من يعرفها. قال: احفظ عددها ووكاءها ووعاءها فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها وقال لا أدري ثلاثا قال عرفها أو مرة واحدة».
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا سلمة بن كهيل بإسناده ومعناه قال في التعريف عامين أو ثلاثة، وقال اعرف عددها ووعاءها ووكاءها زاد فإن جاء صاحبها فعرف عددها ووكاءها فادفعها إليه.
قال أبو داود ليس يقول ذا الكلمة إلاّ حماد في هذا الحديث، يَعني فعرف عددها.
في هذا الحديث من الفقه إن أخذ اللقطة جائز فإنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر على أُبيّ أخذها والتقاطها. وممن روى ذلك عنه عبد الله بن عمر بن الخطاب وجابر بن زيد وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وكره أخذها أحمد بن حنبل.
قلت: وفيه أن اللقطة إذا كان لها بقاء ولم يكن مما يسرع إليها الفساد فيتلف قبل مضي السنة فإنها تعرف سنة كاملة.
وقد اختلفت هذه الرواية في تحديد المدة فقال فيها لا أدري قالها مرة أو ثلاثا وجاء في خبر زيد بن خالد الجهني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفها حولا واحدًا من غير شك فيه وهو مذهب عامة الفقهاء. وفي قوله: «فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها» دليل على أن له أن يتملكها بعد السنة ويأكلها بعد السنة إن شاء غنيًا كان الملتقط لها أو فقيرا وكان أبي بن كعب من مياسير الأنصار ولو كان لا يجوز للغني أن يتملكها بعد تعريف السنة لأشبه أن لا يبيح له الاستمتاع منها إلاّ بالقدر الذي لا يخرجه عن حد الفقر إلى حد الغنى فلما أباح له الاستمتاع بها كلها دل أن حكم الغني والفقير لا يختلف في ذلك وإلى هذا ذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. وقد روي عن عمر بن الخطاب وعائشة إباحة التملك والاستمتاع بعد السنة.
وقالت طائفة إذا عرفها سنة ولم يأت صاحبها تصدق بها روي ذلك عن علي وابن عباس وهو قول الثوري وأصحاب الرأي وإليه ذهب مالك.
وفي قوله من رواية حماد «فإن جاء صاحبها فعرف عددها ووكاءها فادفعها إليه» دلالة على أنه إذا وصف اللقطة وعرف عددها دفعت إليه من غير تكليف بينة سواها وهو مذهب مالك وأحمد. وقال الشافعي إن وقع في نفسه أنه صادق وقد عرف الرجل العفاص والوكاء والعدد والوزن دفعها إليه إن شاء ولا أخبره على ذلك إلاّ ببينة لأنه قد يصيب الصفة بأن يستمع الملتقط يصفها وكذلك قال أصحاب الرأي.
قلت: ظاهر الحديث يوجب دفعها إليه إذا أصاب الصفة وهو فائدة قوله: «عفاصها ووكاءها» فإن صحت هذه اللفظة في رواية حماد وهي قوله: «فعرف عددها فادفعها إليه» كان ذلك أمرًا لا يجوز خلافه وإن لم يصح فالاحتياط مع من لم ير الرد إلاّ بالبينة لقوله عليه السلام «البينة على المدعي».
ويتأول على هذا المذهب قول اعرف عفاصها ووكاءها على وجهين أحدهما أنه أمره بذلك لئلا يختلط بماله فلا يتميز منه والوجه الآخر لتكون الدعوى فيها معلومة فإن الدعوى المبهمة لا تقبل.
قلت: وأمره بإمساك اللقطة وتعريفها أصل في أبواب من الفقه إذا عرضت الشبهة فلم يتبين الحكم فيها وإلى هذا ذهب الشافعي في كثير من المسائل مثل أن يطلق إحدى نسائه من غير تعيين ومات فإن الثمن يوقف بينهن حتى تتبين المطلقة منهن أو يصطلحن على شيء في نظائر لها من الأحكام.
قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا إسماعيل بن جعفر عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد الجهني «أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة فقال عرفها سنة ثم اعرف وكاءها وعفاصها ثم استنفق بها فإن جاء ربها فأدها إليه فقال يا رسول الله فضالة الغنم فقال خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب قال يا رسول الله فضالة الإبل فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احمرت وجنتاه أو احمر وجهه».
وقال مالك ولها معها حذاؤها وسقاؤها حتى يأتيها ربها.
قلت: الوكاء الخيط الذي يشد به الصرة والعفاص الوعاء الذي يكون فيه النفقة وأصل العفاص الجلد الذي يلبس رأس القارورة.
وفي الحديث دليل على أن قليل اللقطة وكثيرها سواء في وجوب التعريف إذا كان مما يبقى إلى الحول لأنه عم اللفظ ولم يخص. وقال قوم ينتفع بالقليل التافه من غير تعريف كالنعل والسوط والجراب ونحوها مما يرتفق به ولا يتمول.
وعن بعضهم أن ما دون عشرة دراهم قليل. وقال بعضهم إنما يعرف من اللقطة ما كان فوق الدينار واستدل بحديث علي رضي الله عنه «أنه وجد دينارا فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره أن يشتري به دقيقا ولحما فلما وضع الطعام جاء صاحب الدينار قال فهذا لم يعرفه سنة لكن استنفقه حين وجده فدل ذلك على فرق ما بين القليل من اللقطة والكثير منها. وقد ذكر أبو داود حديث عليّ في موضع من هذا الكتاب».
وقوله في ضالة الغنم «هي لك أو لأخيك أو للذئب» فيه دليل على أنه إنما جعل هذا حكمها إذا وجدت بأرض فلا يخاف عليها الذئاب فيها. فأما إذا وجدت في قرية وبين ظهراني عمارة فسبيلها سبيل اللقطة في التعريف إذ كان معلومًا إن الذئاب لا تأوي إلى الأمصار والقرى.
وأما ضالة الإبل فإنه لم يجعل لواجدها أن يتعرض لها لأنها قد ترد الماء وترعى الشجر وتعيش بلا راع وتمتنع على أكثر السباع فيجب أن يخلي سبيلها حتى يأتي ربها، وفي معنى الإبل الخيل والبغال والظباء وما أشبهها من كبار الدواب التي تمعن في الأرض وتذهب فيها.
وقوله في الإبل «معها حذاؤها وسقاؤها» فإنه يريد بالحذاء أخفافها يقول إنها تقوى على السير وقطع البلاد وأراد بالسقاء أنها تقوى على ورود المياه فتحمل ريها في أكراشها.
قلت: فإن كانت الإبل مهازيل لا تنبعث فإنها بمنزلة الغنم التي قيل فيها هي لك أو لأخيك أو للذئب.
وفى قوله: «ثم استنفق بها» وقوله: «هي لك أو لأخيك» دليل على أنه لا ينقض عليه البيع فيها إذا كان قد باعها ولكن يغرم القيمة لأنه أذن له في أن يستنفقها فقد أذن له فيما يتوصل به إلى الاستنفاق بها من بيع ونحوه.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن رافع وهارون بن عبد الله المعنى قالا: حَدَّثنا ابن أبي فديك عن الضحاك، يَعني ابن عثمان عن بُسر بن سعيد عن زيد بن خالد الجهني «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن اللقطة فقال عرفها سنة فإن جاء باغيها فأدها إليه وإلا فاعرف عفاصها ووكاءها ثم كلها فإن جاء باغيها فأدها إليه».
قلت: قوله: «ثم كلها» يصرح بإباحتها له بشرط أن يؤدي ثمنها إذا جاء صاحبها فدل أنه لا وجه لكراهة الاستمتاع بها. وقال مالك بن أنس إذا أكل الشاة التي وجدها بأرض الفلاة ثم جاء صاحبها لم يغرمها وقال لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها له ملكًا بقوله: «هي لك أو لأخيك»، وكذلك قال داود والحديث حجة عليهما وهو قوله بعد إباحة الأكل «فإن جاء باغيها فأدها إليه».
وقال الشافعي يغرمها كما يغرم اللقطة يلتقطها في المصر سواء.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حفص حدثني أبي حدثني إبراهيم بن طهمان عن عباد بن إسحاق عن عبد الله بن يزيد عن أبيه يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة قال تعرفها حولًا فإن جاء صاحبها دفعتها إليه وإلا عرفت وكاءها وعفاصها ثم أفضها في مالك فإن جل صاحبها دفعتها إليه».
قوله: «ثم أفضها في مالك» معناه ألقها في مالك وأخلطها به من قولك فاض الأمر والحديث إذا انتشر وشاع، فيقال ملك فلان فائض إذا كان شائعا مع أملاك شركائه غير مقسوم ولا متميز منها، وهذا يبين لك أن المراد بقوله: «اعرف عفاصها ووكاءها» إنما هو ليمكنه تمييزها بعد خلطها بماله إذا جاء صاحبها لا أنه جعله شرطًا لوجوب دفعها إليه بغير بينة يقيمها أكثر من ذكر عددها وإصابة الصفة فيها.
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا خالد، يَعني الطحان قال: وحدثنا موسى بن إسماعيل أخبرنا وهيب المعنى عن خالد الحذاء، عَن أبي العلاء عن مطرف، يَعني ابن عبد الله عن عياض بن حماد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من وجد لقطة فليشهد ذا عدل. أو ذوي عدل ولا يكتم ولا يغيب فإن وجد صاحبها فليردها عليه وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء».
قوله: «فليشهد» أمر تأديب وإرشاد وذلك لمعنيين أحدهما ما يتخوفه في العاجل من تسويل النفس وانبعاث الرغبة فيها فتدعوه إلى الخيانة بعد الأمانة والآخر ما لا يؤمن من حدوث المنية به فيدعيها ورثته ويحوزونها في جملة تركته.
قال أبو داود: حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنه سئل عن الثمر المعلق فقال من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خُبنة فلا شيء عليه ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة. ومن سرق منه بعد أن يؤويه الجَرين فبلغ ثمن المجَن فعليه القطع. ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة. قال: وسئل عن اللقطة فقال ما كان في طريق الميتاء والقرية الجامعة فعرفها سنة وما كان من الخراب ففيها وفي الركاز الخمس».
قلت: الخبنة ما يأخذه الرجل في ثوبه فيرفعه إلى فوق، ويقال للرجل إذا رفع ذيله في المشي قد رفع خبنته. وقوله: «فعليه غرامة مثليه» يشبه أن يكون هذا على سبيل التوعيد لينتهي فاعل ذلك عنه. والأصل أن لا واجب على متلف الشيء أكثر من مثله وقد قيل أنه كان في صدر الإسلام يقع بعض العقوبات في الأموال ثم نسخ والله أعلم.
وإنما سقط القطع عمن سرق الثمر المعلق لأن حوائط المدينة ليس عليها حيطان وليس سقوطه عنه من أجل أن لا قطع في عين الثمر فإنه مال كساتر الأموال ألست ترى أنه قد أوجب القطع في ذلك الثمر بعينه إذا كان أواه الجرين فإنما كان الفرق بين الأمرين الحرز. والطريق الميتاء هي المسلوكة التي يأتيها الناس. وقوله: «وما كان من الخراب» فإنه يريد بالخراب العادي الذي لا يعرف له مالك وسبيله سبيل الركاز وفيه الخمس وسائره لواجده.
فأما الخراب الذي كان مرة عامرًا ملكًا لمالك ثم خرب فإن المال الموجود فيه ملك لصاحب الخراب ليس لواجده منه شيء فإن لم يعرف صاحبه فهو لقطة.
قال أبو داود: حدثنا مخلد بن خالد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن عمرو بن مسلم عن عكرمة أحسبه، عَن أبي هريرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ضالة الإبل المكتومة غرامتها ومثلها معها».
قلت: سبيل هذا سبيل ما تقدم ذكره من الوعيد الذي يراد به وقوع الفعل وإنما هو زجر وردع، وكان عمر بن الخطاب يحكم به وإليه ذهب أحمد بن حنبل وأما عامة الفقهاء فعلى خلافه.
قال أبو داود: حدثنا عمر بن عون حدثنا خالد، عَن أبي حيان التيمي عن المنذر بن جرير قال: «كنت مع جرير بالبوازيج فجاء الراعي بالبقر وفيها بقرة ليست منها فقال له جرير أخرجوها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يأوي الضالة إلاّ ضال».
قلت: هذا ليس بمخالف للأخبار التي جاءت في أخذ اللقطة. وذلك أن اسم الضالة لا يقع على الدرهم والدنانير والمتاع ونحوها، وإنما الضالة اسم للحيوان التي تضل عن صاحبها كالإبل والبقر والطير وما في معناها فإذا وجدها المرء لم بجز له أن يعرض لها ما دامت بحال تمتنع بنفسها وتستقل بقوتها حتى يأخذها ربها.